مولي محمد صالح المازندراني
51
شرح أصول الكافي
كلامهم ( عليهم السلام ) في الجمع بينهما أنَّ المراد بالمعرفة : ما يتوقّف عليه حجيّة الأدلّة السمعيّة ( 1 ) من معرفة صانع العالم وأنَّ له رضا وسخطاً وينبغي أن ينصب معلّماً ليعلّم الناس ما يصلحهم وما يفسدهم ، ومن معرفة النبيِّ ( صلى الله عليه وآله ) والمراد بالعلم الأدلّة السمعيّة كما قال : « العلم إمّا آية محكمة أو سنّة متّبعة أو فريضة عادلة ، وفي قول الصادق ( عليه السلام ) إنّ من قولنا أنَّ الله احتجَّ على العباد بما آتاهم
--> 1 - قوله « ما يتوقف عليه حجيّة الأدلة السمعية » يعني أن المعرفة التي هي من الله تعالى ولا يحتاج فيها إلى العلم والكسب والنظر بل مفطورة في القلوب هي معرفة صانع العالم والنبي ( صلى الله عليه وآله ) يعني أصول الدين ، وأما الذي يحتاج إلى التعلم هو علم الفروع والتكاليف وهذا شيء لم يلتزم به الشارح من أول الكتاب إلى هنا خصوصاً في كتاب العقل والجهل وهو مخالف للحس والعقل والإجماع ، أما الحس فإنا لم نر فرداً من أفراد الإنسان كفى فيه فطرته عن تعلم أصول الدين ولو كان كذلك لم يكن في الدنيا كافر أو شاك أصلاً . بل كل مؤمن فإنما آمن بالتعليم والتربية وأما العقل فلان التشكيك والإهمال كما يؤثر في خروج بعض الناس عن فطرة التوحيد والنبوة باعترافه كما في طوائف الكفار والمشركين كذلك يؤثر التعليم والتربية في الإيمان والتوحيد وما ذلك إلاّ لأن الفطرة استعداد وقوّة لا فعل وكمال كبذر الحنطة المستعد لأن يصير نباتاً إن وافق الأسباب وإن يفسد ويبطل إن أهمل وترك ، وأما الإجماع فلاتفاق علمائنا جميعاً من عصر الأئمة ( عليهم السلام ) إلى زماننا على تعليم التوحيد والنبوة والإمامة والتكلّم فيها والاحتجاج عليها ولم ينكر عليهم الأئمة ( عليهم السلام ) بل شوقوهم وعلّموهم كما نعلم من هشام بن الحكم والميثمي ومؤمن الطاق ثم المفيد والسيد المرتضى وغيرهم وبما ذكر يعرف وجه الجمع بين كون المعرفة من قبل الله وبين الحث على النظر والاستدلال بأن كون المعرفة فطرية بمعنى كون وجودها بالقوّة وأنّ النظر والتعليم لتصييرها بالفعل أو بمعنى أنه لا مؤثر في الوجود إلاّ الله تعالى وأن كلّ شيء حصل بأسبابه فإنما وجوده منه تعالى كما مرّ في الأبواب السابقة وإن كان ذلك معرفة الفروع فهو من عند الله أيضاً وأنما الذي يثقل على بعض الناس هذه الاصطلاحات المتداولة التي لا يعرفها العوام كالدور والتسلسل والجمع بين النقيضين وأمثال ذلك ، ويتوهمون أن المعرفة لو كانت متوقفة على هذه الاصطلاحات لم يكن أحد من الناس مؤمناً . والجواب أن العبرة بفهم معنى هذه الأمور لا حفظ لفظها ونحن نعلم أن الدور والتسلسل مفهومان للعامة بالبديهة ويعترفون ببطلانها وإن لم يتداول عندهم ألفاظها فلو قيل لطفل : إن أختك ولدت أمك ثم أن أمك ولدت أختك ضحك منه لعلمه ببطلان الدور وإن قيل له : البيت مظلم ومضىء أنكر ، وإن قيل له : اشعل هذا السراج من ذاك وذاك من ذلك وهكذا من غير أن يكون عندك زناد قادح ونار وكبريت استحالة ، والإنسان مفطور على أن كل ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذات لبطلان التسلسل . ( ش )